وإلّا فالقلب الذی فیه نور العلم لاینبعث منه الحقد والحسد وحب الجاه والکبر. أجل! العلم نورٌ یشرح القلب ویُبعد الإنسان من بیت الغرور فی الدنیا
42 بازدید
تاریخ ارائه : 11/8/2014 1:50:00 PM
موضوع: اخلاق و عرفان

وقد افتتحت أبوابُ الفکر لي أيضاً. علی سبيل المثال عندما رأيت في ذلک الوقت أن الطلاب غالباً يسعون للوصول إلی درجة الاجتهاد - وکان الاجتهاد عندهم معرفة کلام العرب ثُمَ تَعلُّم سلسلة من قواعد الأصول والتي کانت وليدة أفکار العلماء ومن ثَمَّ اکتساب قدرة ردِّ الفروع علی الأصول عن طريق الممارسة الدائمة – ولايتدخل فيه الإيمان حسب زعمهم، الإيمان الذي هو الرکن الأساسي للدينِ وأفضل رأسمال افتخر به أولياء الله. فقلت في نفسي: هل الاجتهاد نفسه هو ما أراده الله والأئمة عليهم السلام أم قصدوا شيئأ آخر؟ وهل لا يمکن لغير مسلمٍ أن يصبح مجتهداً بمجرد قراءة هذه الدروس بهذا الترتيب؟

وبعد تأملٍ کنت أدرک أن الاجتهاد ليس مقصودا بهذا المعنی. فلرُبَّما هو بمنزلة سيفٍ بيد لص أو قاطع طريق. لأنه قلَّما حدث أن اشتغل أشخاص في بداية الدِّراسة بأغراضٍ غير إلهية ولکنهم اهتدوا بعدما حصلوا علی درجة الاجتهاد والتحقيق.

لکن مثل هذه الحوادث قد يحدث للتائهين أو الکفار والمعاندين للمذهب ولا يحدث للّذين يعتقدون بالإسلام وأحقية مذهب الشيعة الاثني عشريّة حقاً؛ لأنه إذا درسَ مثل هذا الشخص ليصبح مجتهداً أو مرجعاً ليحتفّ الناس حوله ويقدموا له حصّة الإمام (عليه السلام) ويقبّلوا يده ويحترموه وکذلک مثل هذه الآمال النفسانيّة؛ فشخص هکذا – العياذ بالله – تزداد وتنمو أفکاره الشيطانيّة والنفسانية. وليتَ شخصاً کهذا لا يصبح مجتهداً بل يصبح عاملاً في البناء بدلا من الدراسة. ويسأل عن نفسه ماذا طلب منه مولاه ولماذا خلقه؟

(86)

«مَن طلبَ العلمَ ليُباهِي به العلماءَ أو يُماري به السفهاءَ أو يصرفَ وجوهَ الناسِ إليه فَليتبوَّء مقعدَهُ مِن النارِ» [1]. فالعلم الذي يُکتسَب لله علامتُه هي الخشيةُ والخوف. والعلمُ الذي يُحصَلُ للدّنيا علامتُه الغرورُ والکبرُ والظلمة وسائر الصفات الرذيلة. وکلّ ذلک ينبع عن الظلمات الباطنية وإلّا فالقلب الذي فيه نور العلم لاينبعث منه الحقد والحسد وحب الجاه والکبر. أجل! العلم نورٌ يشرح القلب ويُبعد الإنسان من بيت الغرور في الدنيا ويسوقه نحو الحياة الأبديّة ودار البقاء.

قال النبيّ الأکرم (صلّی الله عليه وآله) الذي هو مدينة العلم ومرشد الضاليّن في دار الغرور لِأبي ذرالغفاري: يا أباذر! إذا دخل النورُ القلبَ انفسح القلبُ واتّسعَ» فسأل أبوذر: فداک أبي وأمّي يا رسول الله! ما هي علامته؟ قال النبي (صلی الله عليه وآله): «الإنابة إلی دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزولِه» [2]

(87)

فإن لم تجد هذه الأمارات في نفسک فلا تدّعِ الدرجاتِ الرفيعة ومقامات العلماء الربانيّين. فارجع إلی روايات المعصومين عليهم السلام الذين هم أطباء البشر حقاً واختبر نفسک. فإذا فکّرت بأنک ذو علمٍ ومعرفة ويقينٍ فاعْلَمْ أنهم جعلوا لکلّ شيءٍ آثارا. حتی رسول الله (صلی الله عليه وآله) لم يقبل عن أحد أصحابه ادّعاءَهُ في اليقين بمجرد الادّعاء، ولکنه عندما شرح معالم يقينه للنبي (صلی الله عليه وآله) لاحَظَ أن کلام الصحابي مطابقة مع الواقع وما وصل إليه هي ثمرة حديقة عِلمِ النبّي، فصدَّقَهُ.

قال: «کيف أنت يا حارث بن مالک؟» قال: آمنتُ حقّاً. فخاطبه قائلاً: لِکلّ شيءٍ حقيقةٌ، فما هي علامة صدق کلامک؟ قال: لستُ محبا للدنيا، أسهر الليالي بالعبادة وأصوم في الأيام الحارة وکأني أری عرش ربّي مُهَيّأ لمحاسبة الخلق وأری أهل الجنّةِ يزور بعضهم البعض وکأني أسمع شهيق أهل النّار في النّار. عندئذ قال النبي (صلی الله عليه وآله وسلم): «عبدٌ نوَّرَ اللهُ قلبَه» ثم قال: «أبصرتَ فاثْبِتْ».

(88)

في ذلک الوقت سأل حارثة عن النبّي (صلّی الله عليه وآله) أن يدعو الله له ليرزقه الشهادة في رکابه فدعا له الرسول (صلی الله عليه وآله وسلم) فما مضت مدّة حتی استُشهد. [3]

والغرض هو أنه يجب علی الإنسان أن يحقق ويفکِّر في تعلُّم کلِّ علم أو صنعة. وإن لم يکن له قدرة التحقيق والتعقل فعليه أن يتابع ويقلّد أعمال وصفات الصالحين والطاهرين. لاشک أن اکتساب العلم والمعرفة نافع للجميع بشرط أن يفهم جيداً ولا يضبط ما سمعه من الآخرين کالشريط المسّجل.

فإذا کان بصدد الفهم والدرک للحقائق – ولو کان خارجاً عن الدين والمذهب واشتغل باکتساب العلم فلربما يهتدي إلی سواء السبيل ويستبصر.

عند ما کنتُ بکربلاء – زادها الله شرفاً – منشغلاً بالدارسة في الحوزة العلمية کان لي صديق في الدراسة يسمّی الشيخ باقر الغرويّ هو کان ابن الشيخ عليّ الغرويّ رحمه الله مِن أهالي قصرشيرين وکنتُ قد رأيتُ أباه وکان رجلاً فهيماً ملتزماً بالدين ومخلصاً فنقل لي الشيخ باقر قائلاً:

عندما کنت في قصرشيرين وکان قوات الحلفاء هناک [4] أصبحتُ مترجماً لِضابطٍ إنجليزي رفيع المستوی. آنذاک لم أکن ملتزماً بأحکام الإسلام باقتضاء الشبابِ وبسبب معاشرة الجهال ففي يومٍ من الأيام خلا يي الضابط فسألني قائلا: ما هو دينک؟ قلتُ: أنا مسلم شيعي! قال: أت لستَ مسلماً ولاشيعياً! لِأنّک لاتعمل وفق أحکام العامة ولا وفق أوامر الشيعة! قلت: من أين تدري؟ فعّرف نفسه لي، وقال: أنا مجتهدٌ! وبعد أخذ العهد والميثاق مني والالتزام علی أن لا أظهر ما يقوله لي لِأحدٍ عندئذ أراني صُوَرَه في زيّ علماء الدين.

 (89)

ففي بعص الصُّوَر کان إماماً للجماعة في الصلاة وقد اقتدوا به. فقال: إني کنت مأمورا من قِبل دولة الإنجليز لأتَعَلَّم الفقه الشيعي والإسلام؛ ولذلک دخلت في زي علماء الدين. وبسبب استعدادي الکثير وجديّتي في اکتساب العلوم الدينية وصلتُ إلی درجة الاجتهاد والاستنباط بعد عدّة سنوات، ولکن أثناء دراستي کنت أبحث وأتدبّر في فوائد الإسلام ومزاياه ودوره في إصلاح المجتمع البشري عبر آثاره وأحکامه واتضحت لي حقانيته فتشرّفتُ بالإسلام وبعد إنهاء مهمتي رجعت إلی وطني فأصبحت مسلماً حقيقيا والآن أکتم إسلامي وأعمل بفرائضي الدينية في الخفية! ولکنّک تدّعي الإسلام وليس فيک علامة من الإسلام! عندئذ استيقط الشيخ باقر من غفلته فجاء إلی کربلاء لتحصيل العلوم الدنييّة بأمر من أبيه.

علی کل حال کانت هذه الأفکار تجول في خيالي ورغم جدّيّتي في اکتساب العلوم الدينية لم أرض بقراءة الدروس فقط وکأنه کانت لي ضالّةٌ وفي بعض الأحيان کنتُ أفکّر في أن سلمان (رحمة الله عليه) ماذا فعل حتی أصبح سلمان ولماذا کرَّمَهُ النّبي الکريم (صلّی الله عليه وآله) إلی هذا الحدّ حتی قال في شأنه: «سلمانُ منَّا أهل البيتِ أدرکَ علمَ الأولين وعلمَ الآخرين.» [5] ورغم انّي لم أکن أدرک مقام سلمان بل کنتُ أحسه عبر الفطرة بأن له مقاماً شامخاً في الإسلام فقلتُ في نفسي: إنما المقام هو مقام سلمان رحمه الله. فإذا أدرک الإنسان ما أدرکه سلمان فقد أدرک شيئاً يفتخر به.

(90)

وعندما عرضتُ علی نفسي الفضائلَ والکمالات والخصائصَ المشهورة - رغم أنها کانت جيدة وحسنة ومأمولة- ولکنها لم تکن ترضيني.

مختصر الکلام تعوَّدتُ بهذه الأفکار وکنت يائساً من التمکن بالقيام بأيّ عملٍ في هذا الوقت دون حضور الأستاذ والمرشد مع کثرة شوائب النفس وفساد المجتمع وفساد اخلاق المعاشرين.

رغم هذه الأفکار کان الأمل للذهاب إلی کربلاء قد أشغل بالي بشدَّة. وکلّما کنتُ أتحدّث مع الطّلاب حول هذا الموضوع قالوا لي بما أنه ليس لديک ورقة الإقامة في العراق فمن الممکن أن تَتَوَرَّط في المشاکل فعليک أن تصبر حتی شهر ذي الحجّة ففي هذا الشهر غالبية المقيمين بالعراق خاصة أهل العلم يتشرفون إلی کربلاء لإدراک زيارة العَرَفة [تُقرأ هذه الزيارة المنقولة عن الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عرفة أي التاسع من ذي الحجة] ويکثر الزوار الإيرانيون فنتشرف معاً. فکان السيّد کاظم المرعشي يعدني بهذا الأمر وهو الذي قبلني کطالب [في الحوزة العلمية] فرأی فيه صلاحي.

ولذلک دخلتُ في سلک طلاب العلوم الدينيّة من شهر شعبان حتی شهر ذي الحجّة في العام نفسه يعني استغرقت إقامتي حوالي أربعة أشهر في سامراء بجوار سادتي الإمام الهادي والإمام العسکري عليهما السّلام وفي مکان ولادة الإمام صاحب العصر والزمان عليه السّلام. واستفدت من مائدة الِنعَم الظاهرية والمعنوية لِأئمة الدين وشفعائي في يوم القيامة. وکم کانت العنايات والألطاف تُفيض من قِبَل الإمامين المظلومين علی المحبيّن وساکني تلک الأرض المقدسة من ناحيتهما ولا سّيما علی هذا الضيف الجديد والهارب العاصي. وکأني وجدت الإمامين الهمامين أَرأفَ وأرحمَ من أيِّ أبٍ بالنسبة لي وکأنهما کانوا يراقبون أموري الجزئيّة والکلّيّة.

علی سبيل المثال في بعض الأحيان عندما کنتُ في عسر وحرج ماليّ وبما أن ربي جلَّ وعلا أعطاني طبعاً أبيّاً فضلا عن ذلک کنت خجولاً فلم أکن أستطيع الذهاب لدی أحدٍ لِأستقرض منه. في نفس الوقت کان الإمامان الکريمان يکشفان عني الهمّ والغّم بأنواعَ اللطف والمرحمة.

(91)

إضافة إلی ذلک کنت لاأبالي بالأمور المادّية بل شَغَل بالِي أمرُ الآخرة تماماً کاداء الفرائض وإصلاح فساد الماضي؛ لِأن هذه الأمور لاتتيسر لِلإنسان إلّا بعناية أولياء الدين.

چون خدا خواهد كه غفارى كند             ميل بنده جانب زارى كند

[هذا البيت بتغيير يسير لجلال الدين الرومي، مثنوي معنوي، الدفتر الأول، القسم  ۳۹]

[چون خدا خواهد که‌مان ياری کند              ميل ما را جانب زاری کند]

ترجمة البيت الفارسي:

إذا أراد اللهُ أن يغفر عبداً                     يجعله ليميل إلی التضرع والإنابة

و إلّا لا تسمح النفسُ العاصيةُ والإبليس اللّعين لِأحدٍ أن يخطو خطوةً نحو الآخرة والحقّ وهما يشغلان الإنسان إلی الآمال الطويلة والغرور.

إن الإنسان خُلِقَ علی غرارٍ إن إتّجه قلبه نحو الدّنيا ولذّاتها وعالم الطبيعة والحيوانية سوف تکون جميع أعماله للدنيا وعالم المادّة قهراً؛ لأنَّ القلب يأخذُ لونَ نية الإنسان من أعماله وحرکاته فينقش فيه اثرٌ مادي، ولو کانت هذه الأعمالُ حسب الظاهر من الأعمال الأخروية؛ لأنّ وثيقة هذا القلب ليس شيئاً أکثر من الحياة الفانية والعالم المحسوس؛ ولذلک لا يکون له مقصدٌ سوی عالم المادّة.

إن اتجه القلب نحو الآخرة وأدرک أن وراء العالم المحسوس عالم أعلی من هذا العالم المحسوس، حينئذ يجد عالما مفرحا ورائعا فيه جميع الخيرات واللذّات وفي الحقيقة ليست لذات العالم الفاني سوی دفع الآلام. وأن اللذّة الحقيقيّة هي اللّذة المعنوية الروحيّة فمن المعلوم أنه إذا اشتغل بعمل من الأعمال الدنيوية ستکون الأعمال باتجاه الآخرة والحقيقة فتصبغ الأعمال صبغةً معنويةً، وتحس منها رائحة معنوية.

بالتأکيد لايتيسر الحصول علی إدراک هذه المرحلة إلّا بعناية ربانية والتی تفيض بواسطة القلوب الکلّيّة علی القلوب الجزئيّة. هذا وقد أدرکتُ هذا الأمرَ في نفس الأيام عن طريق عالم الرؤيا الذي هو من آيات الله ومعالمه لإثبات عالم البرزخ.

(92)

رأيتُ في المنام أني سقطت بسرعة فائقة من ناحية الرأس في أعماق بئر عميق مظلم لا يُدری عمقه ففي نفس الحالة فاضت عليَّ عناية الله ولطفه اللانهائي، آنذاک توسّلتُ إلی الإمام الحسن العسکري (عليه السلام) – الذّي کنتُ ساکنا بجوار مرقده الشريف – فجأة وجدت نفسي خارج البئر. يا مَن له الدّعاء ومنه الإجابة.

رغم أني ترکت کلَّ شيء ولکن ظَهَر لي أن هذه الحرکة والتحول لم تتجذر بشکل عميق، فلذلک کانت تتطلب عناية ثانوية ليميل القلب إلی العالم العلوي، بعبارة أخری: رغم أني سرت في طريق سريع ولكنه کان سطحيا وكأنّه حدث في بئر الطبيعة بحيث کان يطلب يداً إلهيةً لتعکس في آنٍ واحد تلک السرعة المتمايلة إلی الأسفل.

يا مبدِّلَ السيئاتِ حسنات ويا مَنْ هُوَ عَلَى الْمُقْبِلِينَ عَلَيهِ مُقْبِلٌ وبالعطفِ عليهم عائدٌ مفضلٌ وبالغافلين عن ذكرِهِ رحيمٌ رؤوفٌ وبجذبهم إلى بابِهِ ودودٌ عَطُوفٌ أسألكَ أن تديمَ عليّ توفيقاتك وعناياتك وأن لاتَكلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ أبداً آمين، بمحمد وآله الطـاهرين صلواتك وبركاتك عليهم أجمعين.

(93)

(94)

التعرف علی آية الله نجابت قُدِّسَ سِرُّهُ

تلک الأيام التي كنتُ في سامراء لاقيت بعض الأخيار في بعض الأحيان حيث جعل الله تعالی الأمر سبباً في ازدياد هدايتي وبصيرتي في الدين. ومنهم سماحة حجة الإسلام السيد حسن القزويني الذي نقل لي سماحته بعض القصص من القضايا التاريخيّة المفيدة والمعتبرة كحالات الحواريّين وحالات عيسی بن مريم (عليه السلام) وخاصّةً بعض العبر والمواعظ الموجودة في قصّة البلوهر ويوذاسف[6]– التي جاءَ بها الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه «كمال الدين» وترجَمَها العلامةُ المجلسي في كتابه «عين الحياة» – وكان للقصّة تأثيرٌ عليَّ في عدم اهتمامي بأمور الدّنيا. وبعد جلسات عدّة حصَلَت بيننا مودّةٌ بحيث عندما سافر سماحته من سامراء إلی النجف الأشرف حزنتُ بشدّة فبکيتُ ليلة افتراقنا.

ومن الذين زرتهم خلال إقامتي لمدة أربعة أشهر بجوار حرم العزة والشرف کان سالك طريق الحق حجة الإسلام والمسلمين السيد الحاج الشيخ حسن علي نجابت والذي منحني بعض عنايات الله تعالی في حقه. وكان مصاباً بترشح الدم في رئته لدی الکحة (السعال).

(95)

وبما أنه كان جوّ سامراء ألطف وأنظفُ من سائر المدن العراقية فلذلک كان المصابون بالأمراض المزمنة يقصدونها لتغيير المناخ ولزيارة المرقدين الشريفين لِلإمامين الهمامين عليهما السّلام ويقيمون في سامراء وكان الشيخ منهم. وكان هذا سببا لبداية صداقتنا وكما قلت سابقا، كنتُ في ضيق من حيث حاجيات البيت أو بتعبيرٍ أصح كنتُ فاقداً لها. وكان عندي بعض النقود العراقية وضعتها في الغرفة. وبما أنه لم يكن في الغرفة سوی لحافٍ عتيقٍ مندرسٍ وَقْفِيٍّ وأحياناً بعض الأشياء التافهة فلذلک لم أکن أقفل باب الغرفة غالباً. إلی أن ذهبت يوما لِشراء بعض الشيء فبحثت عن النقود ولم أجدها ورغم أنّ النقود كانت رأسمالي الوحيد في ذلك الوقت ولکن الأمر کان عادياً لي فلم أحزن لفقدها.

فعلم الشيخ نجابت الأمر فجاءني وأشفق عليَّ وواساني وقال: سيدي! لاتحزن. سيرسل لك جدّك. فقلت له متبسماً: لايهمني ما فاتني من النقود! فأعجبتْهُ حالتي هذه وبدأ بإظهار المودّة لي وقدجاءَ ببعض حاجيات البيت مِن النجف الأشرف إلی سامراء كأجهزة الطبخ والشاي فدعاني إلی غرفته وأضافني كالأخ وعندما تشرف إلی النجف الأشرف ترك لي الأمتعة بالإلحاح وأعطاني عنوان غرفته الواقعة في مدرسة الصدر بالنجف الأشرف وقال: إذا أتيت النجف الأشرف عليک أن تزورني في غرفتي. رغم أنه كان أكبر مني بسنين ولکنه لم يکن متزّوجا في ذلك الحين.

وكان من نتائج لقايی بسماحته هو أنه أذهب بي لدی عالمٍ تقيٍ باسم آية الله السيّد الحاج الشيخ غلام علي القمي - أعلی الله مقامه - الذی كان له صداقة مع السيد نجابت.

(96)

وكما قلت سابقا أني كنتُ في الجيش مدّة وقد استفدت من الرواتب الحكوميّة وبما أنه لم تكن الدولة إسلاميّة كان عليَّ أن أسأل عن وضعيّة النقود بواسطة العلماء العاملين والمجتهدين المتقين لإصلاحها. وبما أنه كان حقاً من أفضل المجتهدين ورأيتُ آثار الورع والتقوی في جبينه أخبرته عن وضعي فَقَبِلَ أن نتبادل النقود المستفادة يداً بيد.

وعند تبادل النقود كنتُ أشعر بحالةٍ عجيّةٍ حيث وجدت نفسي وسماحته في رحاب عظمة الله سبحانه وتعالی. فكان هذا شاهداً علی الحالة العبوديّة لدی سماحته فوجدت حالته في نفسي، رغم قلة الصدق والصفاء لدی الحقير والذي أعطاني إياه ربي.

وكان من كمالاته صفة التواضع والخشوع؛ ولذلک رغم أنه كان مصاباً بالرعشة في الأعضاء ولم يکن يستطيع القيام بسهولة من دون مساعدة الآخرين، فعندما أردتُ الحضور عنده وأنا كنتُ أمامه كطفلٍ أشارَ سماحته إلی ولده البارّ سماحة الشيخ محمود ليساعده بالقيام ثم جعل يده علی صدره متواضعاً فشايعني حتی باحة البيت وكان المسير طويلاً، حينئذ خجلتُ من عمله کثيراً.

ذکر لي نجله: أن أباه لم يستفد طوال مدّة دراسته من حصة الإمام المباركة فكان يعيش عن طريق العبادات الاستيجارية کالصلاة والصوم ولکنه منذ عشر سنوات بسبب ابتلائه بالرعشة لم يستطع إقامة الصلاة الاستيجارية [وهي لقضاء الصلوات الفائتة من الميت في حياته مقابل الأجرةكما يصح التبرع بقضائها من دون أجرة] فهو يستفيد من حصة الإمام المباركة.

وأنا كنتُ أزوره غالباً في حرم العسكريين عليهما السلام وهو جالس ينتظر دخول وقت الصلاة ولدی دخول الوقت دون النظر إلی الساعة أو استماع الأذان أو سؤال من أحد کان يقوم من مکانه لأداء الصلاة.

(97)

حدث ذات مرة في الحرم أن سماحته دخل ولم يكن أحدٌ من الزوار هناک والحقير كنتُ في زاويةٍ من الحرم مشتغلاً بالزيارة فنظر إلی جميع الجهات وعندما لم يَرَ أحداً طاف حول الضريح المطهر عدّة مرّات رغم ضعفه ورعشة بدنه فکان لايزال يُقبِّل الضريح المبارك بخضوع ومحبّة وكأنّه يعاشقه ويريد ليفدي بنفسه للمحبوب؛ رضوان الله تعالی عليه وعلی أمثاله من العلماء العالمين بحقّ أهل البيت العاملين بأوامرهم والتاركين لنواهيهم آمين.

ولايفوتنا الذكر بأن هذا العالم الجليل القدر بعد سنين لبّی دعوة ربه في سامراء. ليلة ذلک اليوم الذي جاءوا بجثمانه إلی النجف الأشرف للدفن - وكنت ساكناً هناک في الوقت نفسه – رأيتُ في المنام أنه توفي أحدُ جنود أمام العصر – روحي له الفداء – وجِيءَ بجثمانه إلی وطني "قائن" ليدفنوه في صفح الجبل وأنا شاركت في تشييع جثمانه. في اليوم التالي نُقِل جثمانُه إلی النجف الأشرف فدُفن في مقبرة «الوادي الأيمن»، روحي لصاحب القبة البيضاء ولشيعته الفداء ومَن دُفِن فيها مع الإيمان إلی يوم القيامة.

(98)

العناية بالحياة الدنيوية

كما قلت: في أيام اشتغالي بالدرس كان انتباهي مقتصراً علی عالم الأخرة وإصلاح هذه الأمور ولذلک رغم قوة مزاجي لم أکن أفكر بالزواج بل كنتُ أعتبر نفسي مسافراً قافلته علی وشك الانطلاق وهو حاضر للرحيل. فلربّما لو امتدت نفس الحالة لعدة أشهر لضعُف جسمي وفقدت حياتي دون الوصل إلی أملي الذي انتظرته.

ولكن الله الرؤف الرحيم هيّأ أسباباً جعلتني أميلُ إلی الدنيا قليلاً. فكأنه اقتضَت حكمةُ الله تعالی أن أبقی في عالم الناسوت لتشملني عنايات أكثر من ذي قبل وحصل ذلک بالفعل. ذات ليلة قال لي الشيخ غلام علي - (صديقي الحميم وأستاذي في الصرف والنحو) وكان لنا «قعدة» [القعدة: يطلق في العراق علی جلسات البحث] في مدرسة الميرزا الشيرازي رحمه الله، في غرفته - : ماشاءَ الله لقد حان موعد زواجك فهلا تقصد الزواج؟

قلت: أولاً لستُ أفكر في هذا الأمر. ثانياً: الزواج يحتاج إلی النقود وأنا خالي الکف من الأموال الدنيوية. فقال سماحته: هناك شخص باسم الحاج مهدي إلياس وهو بقّالٌ وله بنتٌ؛ نَذَرَ ليُزوِّجها مِن رجلٍ من السادة العلويين إن تأذن لي سأقترح له وهو يقبلک.

(99)

والحقير كان في وجودي ميلٌ شديد إلی الزواج، بمجرد أن تغير مسير أفكاری انتبهتُ إلی هذا الأمر فزاد الميل في نفسي شديدا فأذنتُ له لِلخطوبة.

فاقترح الشيخ غلام علي الحاج مهدي إلياس ثم أرسل الحاجُ صهرَه الشيخ حسن التُّرك - وهو كان من طلاب العلوم الدينية - ليتکلم معي فسألني: سمعتُ أنک أرسلتَ شخصاً للخطوبة؟ قلت: لا! اقترح لي الشيخ غلام عليّ اقتراحاً قبلتُه ومن المعلوم أنه تحدّث عن الموضوع. فقال في الجواب: حسناً لابأس. رأتک البنت أيضا فأعجبت بک کثيراً. لكن قال الحاج مهدي: يجب أن تدفع مائة دينار وهو أيضا يُعطي مائة دينار لنهيِّیء منها حاجيات البيت.

قلت له لا أملك حتی دينارٍ واحد. فسأل الشيخ حسن: أليس لك في مدينتك قطعة أرض أو عقار؟ قلت: لا، قال: الذي ليس عنده شيء فكيف يُرسل شخصاً للخطوبة لدی الحاج؟!

رغم أنه قال مازحاً ولكن کلامه أثَّر علي قلبي کثيراً. فقلت لِأستاذي حتی الأن لم أقصد الزواج ولكن بما أن الشيخ حسن قال هکذا فأنا إذا تشرفتُ بكربلاء سأرجع مع زوجةٍ أحسن من بنت الحاج مهدي إلياس ليعلم أنه إذا التجأ العبد إلی ربّه فهو يكفيه. فأوجد الكلام هيجاناً عجيباً في الأستاذ، حيث قال: فداء جدك! سأَنتظرُ ماذا تعمل!

لايفوتنا الذكر بأن الطلاب في ذلك الوقت كانوا في ضيق ماليّ وخاصة المتزوجون فهم کانوا يعيشون بصعوبة. أتذکّر ذات ليلة كنتُ في غرفة أستاذي عندئذ قال لابنه الذي كان في الثانية عشرة من العمر: أنا جائع هاتِ لي العَشاء وجاءَ الطفل بمائدةٍ تحوي أرغفة خبزٍ جافةٍ.

(100)

فدعاني للعشاء فسألتُه: لماذا تأكل الخبز بدون شيءٍ؟ قال: إنني آخذ كلَّ شهرٍ ثلاثة دنانير من سماحة الحاج السيّد أبي الحسن الأصبهاني (رحمه الله) [7] وأُرسلها إلی زوجتي في النجف الأشرف وأکتفي بهذه الأرغفة! اللهم إلا أن يأتي أحد التجار أو الزّوار الإيرانيين ليقسّم مبلغا بين الطلاب عندئذ أستلم شيئاً من النقود وإلّا أکتفي بهذا الخبز دون شيء آخر.

فتأثرتُ کثيراً ورغم أني لم أمتلك شيئاً من المال الدنيوي لم أستطع لأتحمل أن أری شيخاً هرما يأكل الخبز الجاف دون أيّ شيءٍ. ولأنني کنت أمتلک مقداراً من الزيت في غرفتي فقلت له: اصبر لنأكل العَشاءَ معاً فذهبت إلی غرفتی مسرعاً وجئتُ بآنية الزيت وسألته أن يهيّئ بالزيت طعاما لنأكله معاً.

فلم يقبل بداية ولكن بعد إصراري الکثير قال وكانت عيناه تفيضان من الدّمع: أنا فداءُ جدِّك! فقَبِلَ وأعجبه عملي هذا؛ لم يكن إعجابه بسبب نفعه المادّي بل بسبب أنه تذكَّر من عملي القليل، صفات الأئمة الأطهار اللامتناهية عليهم السلام. ولذلک قام بالشوق والوجد ليهيیء طعاما بالزيت والبصل والخبز وفي النهاية تناولنا الطعام بکل لذة.

وبعد تناول الطعام طلبتُ منه أن يشارکني في تكاليف العيش فقلت: أنا من السادة العلويين وليس لي عائلة وقد تصلني حصة السادة العلويين أحياناً ولذلک أرافقك حتی يفرج الله عنك! عندما رأی سماحته صدقي وصفاء ضميري قَبِل الاقتراح.

وفي ليلةٍ وُفِّقتُ مواساة أستاذي أعطاني الله تعالی عوض العمل القليل بشارةً عظيمةً سَرَّت قلبي، إنه جوادٌ كريم.

 (101)

فرأيتُ في المنام کأنَّ مولی المتّقين وإمام الموحّدين أميرالمؤمنين (عليه السلام) نزل في مزرعة نخيلٍ وأنا كنتُ جالساً في زاويةٍ من المزرعة ويتصاعد من المزرعة نورٌ كنورِ القمر إلی السماء وينتشر في الفضاء فيأتي الناس للزّياره فرأيتُ سيد العارفين قد أقبل نحوي متمثّلاً في صورة آية الله السيد أبي الحسن الأصبهاني الذي كان زعيم الشيعة الاثني عشرية في ذلك الوقت. فقمتُ من مکاني. فور أن وصل سماحته إليّ احتضنني وكأنه كان معجباً بي جداً وقال لي إحدی هاتين العبارتين: «لقد حللتَ عقدة قلبي» أو «وجدتُ ضالّتي عندك» وأظنّ أنه قال كلتا العبارتين.

ومن هنا يُعلم أنه لايُشترط في العمل كثرته. بل العمل المقبول هو الذي ينبع من نية خالصة ولو كان قليلاً.

وعلينا أن نعلم أن الإخلاص أيضاً من الله تعالی ويجب أن نطلبه منه. لأن العبد فقير وإن لم يأخذ الله بيده لن يخطو نحو الخير خطوةً واحدةً فيسير نحو الانحطاط والهلاک بمقتضی طبيعته إلی أن يؤدي إلی الهلاک لاسمح الله - نستجير بالله من الخذلان وسوء الخاتمة.

ومَن أدرك هذا الأمر ينجو من العُجب والغرور ويمُدّ يديه نحو بحر جود الله ولطفه اللانهائية ويستجير به جل جلاله – في كلّ الأمور وهو نِعْمَ المعين والنصير. «ولا حول ولا قوة الّا بالله العليّ العظيم.»

ولايفوتنا الذكر بأنه بعد أيامٍ وبشكلٍ عجيب حصل لِلأستاذ فرجاً ومخرجاً بعد أن ساهمته.

(102)

وبعدما حصل علی ستّه أو سبعة دنانير انفصلتُ عنه من حيث تكاليف العيش وذهبتُ إلی غرفتي.

أجل، إذا تَرحَّمَ عبدٌ فقيرٌ بالذات ومحتاجٌ بالعرض - علی عبدٍ آخر مثله فالله تبارک وتعالی يترحَّم عليهما وهو الذي غنيٌّ بالذّات وكريمٌ جوادٌ. لقد ورد في كتاب «حياة القلوب» للمرحوم المجلسي أن شاباً مرتبکاً كان جالساً لدی داود (عليه السلام) فجاءَ ملك الموت وسلَّم عَلی داود (عليه السلام) ونظر إلی الفتی بغضب فسأل داود عن سبب النظر. فأجابه ملك الموت أنا مأمورُ بقبض روح هذا الشاب بعد سبعة أيّام. ترحّم داود (عليه السلام) علی الفتی. فسأله: هل تزوّجتَ؟ أجاب الفتی: لا، لم أتزوَّج.

فعرّف له رجلاً من كبار بنی اسرائيل وقال: اذهب عنده وقل: يأمرك داود (عليه السلام) أن تُزوِّج ابنتك لي. ثم قال: ابقَ عند زوجتِك لِسبعة ايّام ثم تعال عندي في اليوم الثامن. ففعل الشاب ما أمره النبيّ الکريم عليه السلام. ثم جاءَه في اليوم الثامن ولكن ملك الموت لم يأتِ. فقال داود عليه السّلام: ابق عند أهلك سبعة أيام أخری وتعال عندي في اليوم الثامن فلم يأتِ ملك الموت في هذه المرّة أيضاً.

فذهب الشاب إلی بيته للمرّة الثالثة بأمره وجاءَ في اليوم الثامن حتی نزل ملك الموت فإذا سأله داود (عليه السلام) عن سبب عدم مجيئه لقبض الروح. قال: يا داود ترحّم ربنا الجليل علی هذا الشاب بسبب ترحمك عليه فأَخَّر أجلَه لِثلاثين سنة.

أجل! إذا ترحَّم عبدٌ علی عبد آخر، فاللهُ تعالی هو أرحم الراحمين يترحم علی كلا العبدين خاصّة إن کان المترحِّم من عباد الله الصالحين بل الله تعالی أحياناً من أجل عبدٍ مؤمنٍ يَرُدّ البلايا عن جميع الناس.

(103)

«فلو أنَّ عبداً بكی في أمةٍ لَرَحِمَ اللهُ عزَّ وجلَّ تلك الأمّةَ ببكاء ذلك العبد» [8]

[1] - بحارالأنوار، ج2، ص 38، ح 65.

[2] - مکارم الاخلاق، للطبرسي، ص 464.

[3] - اصول الکافی، ج 2، ص 54، کتاب الإيمان والکفر، باب حقيقة الإيمان واليقين، ح3.

[4] - [الحرب العالمية الثانية: هي نزاع دولي مدمر بدأ في الأول من سبتمبر 1939 في أوروبا وانتهى في الثاني من سبتمبر 1945، شاركت فيه الغالبيةُ العظمى من دول العالم، في حلفين رئيسيين هما: قوات الحلفاء ودول المحور.]

[5] - نفس الرحمن في فضائل سلمان، ص 52.

[6] - [قصة "بلوهر" و"يوذاسف" وردت لأول مرة کحديث في کتاب "کمال الدين" وتشیر إلى أن "يوذاسف" کان نبياً إلهياً]

[7] - کان سماحته يقدِّم كلَّ شهرٍ للطالب المتزوج ثلاثة دنانير والأعزب دينار ونصف.

[8] - اصول كافی، ج2، ص 482، كتاب الدعاء، باب البكاء، ح2.