أن السيد المسيح (عليه السلام) يختلف عن باقي الانبياء
36 بازدید
تاریخ ارائه : 7/23/2011 10:11:00 AM
موضوع: تفسیر

س47: أن السيد المسيح (عليه السلام) يختلف عن باقي الانبياء والرسل بأن حياته حياة ربوبية، لا بشرية، ولذلك تمّيز عنهم وعن كل البشر بأنه لم تصدر منه الخطيئة طبقاً لشهادة القرآن والانجيل والتوراة، ولو كانت حياته بشرية لصدرت منه الخطيئة، لان الانسان بطبيعته البشرية خاطئ ويحتاج إلى غفران الله،... وقد اعترف القرآن بأن باقي الانبياء صدرت منهم الخطيئة ومنهم نبي الاسلام (محمد) فقد تحدث عن آدم وحواء (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين) 23/الاعراف، وأكدّ خطيئة إبراهيم (عليه السلام) (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) 82/الشعراء، وحكى قول موسى (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، فغفر له انه هو الغفور الرحيم) 16/ القصص، كما تحدث عن ذنب النبي محمد (ص) (إنا فتحنا لك فتحا مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتّم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً) 1ـ2/ الفتح، بينما لم يذكر لنا القرآن عن ذنب لعيسى مما يؤكدّ أن طبيعته إلهية لا بشرية.

 ?إن هذه الشبهة تستند إلى ثلاثة ادعاءات كلها خاطئة:

الادعاء الاول:ان حياة الانسان بطبيعته البشرية حياة خطيئة، فتختص العصمة بمن حياته إلهية.

وهذه فكرة غير صائبة، لانه يمكن أن يتجنب البشر الخطيئة والذنب إذا قوي إيمانه وإرادته، والدليل على ذلك: ان الخطيئة هي مخالفة التكاليف الالهية، فهل من المعقول أن تكون تكاليف الله للانسان غير منسجمة مع طبيعته ويستحيل تطبيقها حتى يكون التزامه بالطاعة على خلاف طبيعته ـ كما تضمنته الشبهة ـ ؟!

ولو سبرنا أوامر الله سبحانه لم نجد منها ما يخالف طبيعة الانسان وطاقته، وقد أكدّ القرآن الكريم هذه الحقيقة (لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها) ، وأكدّ الاسلام ان الدين منسجم مع الفطرة، نعم كثيراً مّا يخضع الانسان لهواه وشهواته فيقع في المعصية، لكّن هذا لا يعني أن من يخالف هواه ولا يعصي الله ينسلخ من طبيعته البشرية ويتحوّل إلى ربّ.

الادعاء الثاني: ان القرآن ينسب الخطيئة للانبياء.

وهذا غير صحيح أيضاً لانه ناشي من عدم فهم معاني الايات ـ كما هو موضح في كتب التفسير ـ وقد أكدت العديد من النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) عدم صدور المعصية من الانبياء، وقد بُحث الموضوع بشكل معمّق في البحوث العقائدية.

ونشير هنا ـ على عجالة ـ إلى واحدة من الايات الكريمة التي استند إليها الخصم لاثبات صدور المعصية من النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وهي قوله تعالى: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتّم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً) فإنه لو كان المقصود غفران معصية الرسول لم يكن هذا المقطع منسجماً مع مقدمة الاية، إذ لا معنى لترتب غفران معصيته (صلى الله عليه وآله) على الفتح، لذلك جاء في تفسير أن المقصود من قوله تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) إنقاذه من تبعات مواقفه لدى المشركين، فان الفتح المبين ـ في الحديبية أو فتح مكة ـ كان نقلة نوعية بالنسبة للنبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمين، خلّصتهم من القيود المفروضة عليهم، وموقف الضعف السابق بكل ثقله وتبعاته.

 

الادعاء الثالث: ان القرآن يميز عيسى (عليه السلام) عن باقي الانبياء حيث نزّهه عن الذنوب والنقد، مما يؤكد أن حياته إلهية لا بشرية.

والجواب عن هذا:

أولاً: انّا أشرنا قبل قليل ان القرآن الكريم نزّه كل الانبياء عن المعاصي كما أكدت عليه النصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم أعرف بتفسير الايات الكريمة.

ثانياً: ان الايات الكريمة تناولت مواقف الانبياء والرسل والاولياء وسيرتهم كلا من زاوية معينة تبعا لما يترتب على ذلك من حكمة أو درس للاجيال، فذكرت مواقف بعضهم بلغة العتاب،وأهملت الاشارة لعتاب آخرين، من دون أن يعني ذلك أن الصنف الثاني يتميزون على الصنف الاول بل باعتبار انه لم يكن هناك فائدة من ذكر معاتبة هذا الصنف.

وعلى كل حال، لم يتميز عيسى (عليه السلام) عن باقي الانبياء في المنطق القرآني، بل ان القرآن ذكر كثيرا من الانبياء والاولياء من دون التعرض لمعاتبتهم، منهم: هابيل، إدريس، هود، صالح، أيوب، إسماعيل، لوط، اليسع، إلياس، لقمان، فهل يعني انّهم كانوا يتميزون عن غيرهم بحياة إلهّية؟! ثم أين تمّيز عيسى (عليه السلام) عن هؤلاء؟!

ثالثاً: انّ الانجيل الحالي الذي يعترف به الخصم ـ يثبت مواقف لعيسى (عليه السلام) لا تنسجم مع الحياة الربوبية فمثلاً ينسب إلى عيسى (عليه السلام) جهله بكيفية أداء رسالته، وأن من يسميهم باخوته أرشدوه إلى ذلك فطّبق هو إرشادهم مع احتيال وكذب فلنلاحظ معاً هذا النص:

 ((وسار يسوع بعد ذلك في الجليل، وما شاء أن يسير في اليهودية، لان اليهود كانوا يريدون أن يقتلوه، ولما اقترب عيد المظالّ عند اليهود، قال له اخوته: ((اترك هذا المكان واذهب إلى بلاد اليهودية حتى يرى التلاميذ أعمالك، فلا أحد يعمل في الخفية أذا أراد أن يعرفه الناس، وما دمت تعمل هذه الاعمال، فأظهر نفسك للعالم)) وكان اخوته أنفسهم لا يؤمنون به.

فقال لهم يسوع: ((ما جاء وقتي بعد، وأما أنتم، فالوقت في كل حين وقتكم، أنتم لا يبغضكم العالم، ولكنه يبغضني، لاني أشهد على فساد أعماله، اصعدوا أنتم إلى العيد، فأنا لا أصعد إلى هذا العيد، لان وقتي ما جاء بعد)) قال لهم هذا وبقي في الجيل.

ولما صعد إخوته إلى العيد، صعد بعدهم في الخفية لا في العلانية.. وفي منتصف أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل وأخذ يعلم، فتعجب اليهود...)) يوحنا 7 (الكتاب المقدس ط1، جمعية الكتاب المقدس في لبنان).

وفي نص آخر بينما اعترف الانجيل المتداول أن شرب الخمر منقصة للشارب، ولذلك مدح الملاك يوحنا (يحيى بن زكريا) بـ ((انه سيكون عظيما عند الرب، ولن يشرب خمرا ولا مسكرا..)) نجده ينسب شرب الخمر إلى عيسى (عليه السلام) فيقول: ((وبينما هم يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك وكسر وأعطى التلاميذ وقال:خذوا كلوا هذا هو جسدي، وأخذ الكأس وسكر، وأعطاهم قائلا: اشربوا منها كلكم، لان هذا دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا، وأقول لكم: إني من الان لا أشرب من نتاج الكرمة هذا...)) متى/26

وفي الرسالة المنسوبة لبولس إلى أهل غلاطية جسارة كبيرة في حق السيد المسيح (عليه السلام) حيث جاء في النص: (والمسيح حررنا من لعنة الشريعة بأن صار لعنة من أجلنا، فالكتاب يقول: ((ملعون كل من مات معلقا على خشبة)) وهذا ما فعله المسيح لتصير فيه بركة إبراهيم إلى غير اليهود، فننال بالايمان الروح الموعود به). غلاطية3

 

س 48: ان ادعاء القرآن والمسلمين وقوع تحريف في التوراة والانجيل غير صحيح، فالتوراة والانجيل الحاليان غير محرفين، بدليلين..

الدليل الاول: ان التوراة والانجيل أنزلهما الله تعالى على موسى (عليه السلام) وعيسى (عليه السلام) وهل من المعقول أن يعجز الله تعالى عن حفظ كتابه من التحريف؟

الدليل الثاني: ان القرآن أمر النبي والمسلمين وأهل الكتاب بالرجوع للتوراة والانجيل (فإن كنت في شك مما أنزلنا اليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك...) 94/سورة يونس. (قل يا أهل الكتاب لستم على شي حتى تقيموا التوراة والانجيل) 68/سورة المائدة. (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر فقد ضل ضلالا بعيدا) 136/سورة النساء.

  ?وللاجابة على هذه الشبهة نعالج...

أولا: الدليلين اللذين اعتمدت عليهما...

وثانيا: بأن نشير إلى الشواهد على تحريف التوراة والانجيل المتداولين، فنقول:

أما الدليل الاول الذي استدلوا به على عدم تحريف التوراة والانجيل: انه ليس من المعقول أن يعجز الله سبحانه عن حفظ كلامه من التحريف.

فالجواب عنه: انه ليس هناك من يدعي عدم قدرة الله سبحانه على ذلك، لكنه (سبحانه) لم يتعهد بصيانة كتبه عن التحريف كما لم يتعهد بحفظ رسله من القتل والاضطهاد والعدوان، وإنما جعل كل ذلك من مسؤولية أممهم في هذه الحياة، فيشكر لمن يؤدي حقهم ويحفظ شريعته ودينه، ويحاسب من يعتدي على رسله ويحرف شرائعه وكتبه.

وأما الدليل الثاني فهو غير صحيح أيضا، لان هذه الايات القرآنية تشير إلى التوراة والانجيل الحقيقيين ولا تنزه المتداولَين عن التحريف.

فالاية الاولى تشبه آيات اخرى جاءت بهذا الاسلوب نظير قوله تعالى ـ حكاية عن الرسول (صلى الله عليه وآله) في خطابه للمشركين ـ (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) لا تعبر عن شك منه (صلى الله عليه وآله) في رسالته، كيف؟ وهو القائل في بدايات رسالته: ـ رغم الظروف العصيبة التي أحاطت به ـ (يا عماه والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن اترك هذا الامر ما تركته) وقد جاءت مواقفه الصلبة واستعداده لمواجهة الاخطار مع أهله وأحبائه في سبيل أداء رسالته لتؤكد يقينه ووضوح الامر لديه.

فالاية المذكورة تعبر عن فن من فنون التعبير وأدب الحوار القرآني لتأكيد صدق الايات السابقة في سورة يونس التي تحدثت عن موسى وبني إسرائيل وغرق فرعون المدهش، وهي من الحقائق التاريخية والدينية الثابتة لدى أهل الكتاب جيلا بعد جيل فيمكن للشاك أن يستفسر منهم، من دون أن يعني ذلك تنزيه التوراة والانجيل المتداولين من التحريف.

والاية الثانية تشير إلى إقامة التوراة والانجيل الحقيقيين وتطبيقهما، وهما لا يختلفان في الخط العام عن القرآن الكريم، بينما اولئك تمسكوا بالمحّرف منهما ونبذوا الكتب الالهية الواقعية التي تنسجم مع تعاليم القرآن، ولذلك ذمتهم نفس الاية بسبب موقفهم كما يتضح عند ملاحظتها بمجموعها (قل يا أهل الكتاب لستم على شي حتى تقيموا التوراة والانجيل وما اُنزل اليكم من ربكم وليزيدنَّ كثيراً منهم ما اُنزل إليك من ربك طغياناً وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين).

وأما الاية الثالثة فهي تعني ـ والله العالم ـ ضرورة الايمان بالكتاب الذي أنزله الله تعالى على موسى من دون أن تتعهد بمطابقته للتوراة الموجودة آنذاك، فهي نظير الايات الكريمة التي دلت على ضرورة الايمان بالرسل والكتب السماوية كلها مثل قوله تعالى: (آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله...) 285/سورة البقرة.

وهكذا اتضح أن الايات التي استشهد بها الخصم لا تجديه لنفي تحريف كتب العهدين الموجودة. ويمكن أن نؤكد ما ذكرناه بشاهدين آخرين:

1ـ ان نفس سورة المائدة التي تضمنت عددا من الايات التي استدل بها الخصم نصت في آيات اخرى ـ على تحريف كتبهم آنذلك (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) 15/سورة المائدة.

بل دعتهم آية أخرى في نفس السورة إلى الايمان بالرسول (صلى الله عليه وآله) (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شي قدير) 19/سورة المائدة. فكيف نتصور أنه بعد آيات قليلة لاحقة يمجد بكتبهم ويحثهم على التمسك بها؟!

2ـ انه لم يتحدث التاريخ عن اهتمام الرسول والمسلمين بالتوراة والانجيل المتداولين في ذلك العصر والاعتماد عليهما حتى قبل اكتمال الشريعة الاسلامية، ولا نقل التاريخ أن اليهود والنصارى حاججوا الرسول (صلى الله عليه وآله) بهما ـ اعتمادا على هذه الايات ـ في الموارد التي يختلف القرآن معهما، مما يؤكد إعراض الرسول (صلى الله عليه وآله) والقرآن عنهما وعدم الاعتماد عليهما كما يؤكد أن أهل الكتاب المعاصرين له (صلى الله عليه وآله) لم يفهموا تنزيه القرآن والرسول (صلى الله عليه وآله) لكتبهم. فكيف يدّعي السائل دلالة القرآن على نفي التحريف عنهما؟!

 

نظرة خاطفة على التوراة والانجيل

اولاً: شواهد على تحريف التوراة والانجيل

1ـ التوراة ((العهد القديم))

أ) الشاهد التاريخي

ان التوراة ـ بوضعها الحالي ـ يعود تاريخها إلى سنة 90 قبل الميلاد بعد وفاة موسى (عليه السلام) بمئات السنين فكيف يمكن الوثوق بها؟! (يراجع مقدمة الكتاب المقدس لجمعية الكتاب المقدس في لبنان ط1.)

وهل المنطق العلمي يعتمد نصاً كتب بعد نسخته الاصلية بمئات السنين، خصوصاً مع جهالة الاشخاص المتصدين لجمعه رغم وفرة أنبياء بني اسرائيل.

ومن الغريب اعتماد المسيحيين على النص التوراتي رغم ان عيسى (عليه السلام) لم يعتمده، ولم يذكر تلامذته عنه في أناجيلهم تقديسه أو رجوعه للتوراة التي كانت لدى اليهود في عصره، بل نسبوا له مخالفات عديدة لتعاليم التوراة، ففي إنجيل متى...

 ((وقيل أيضا: من طلق امرأته، فليعطها كتاب طلاق. أما أنا فأقول لكم: من طلق امرأته إلا في حالة الزنا يجعلها تزني، ومن تزوج مطلقة زنى)).متى/5.

بل حفلت هذه الاناجيل باتهام عيسى لعلماء اليهود بمختلف التهم والطعون مثل قوله:

 ((الويل لكم يا معلمي الشريعة والفريسيون المراؤون تقطعون البحر والبر لتكسبوا واحدا إلى ديانتكم، فإذا نجحتم جعلتموه يستحق جهنم ضعف ما أنتم تستحقون)) يراجع متى/23.

فمثل هؤلاء كيف يعتمدهم المسيحيون في حفظ وصيانة كتاب الله تعالى؟!

ب) الشاهد الداخلي ((المحتوى))

نلاحظ في التوراة كثيرا من الاباطيل التي تفصح عن التحريف نكتفي هنا بالاشارة إلى نماذج منها ما يتضمن تجسيم الباري واثبات صفات النقص إليه.

 ((ثم صعد موسى وهارون وناداب وابيهو وسبعون من شيوخ إسرائيل، ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل، فرأوا الله وأكلوا وشربوا)) الخروج 24/9ـ11

وفي نص آخر...

((وسمع آدم وامرأته صوت الرب الاله وهو يتمشى في الجنة عند الماء، فاختبآ من وجه الرب الاله بين شجر الجنة. فنادى الربُ الالهُ آدمَ وقال له: أين أنت؟ فأجاب سمعت صوتك في الجنة، فخفت ولاني عريان اختبأت. فقال الرب الاله: ((من عرفك انك عريان؟ هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها؟...)) التكوين/3

وفي نص ثالث...

 ((ورأى الرب أن مساوئ الناس كثرت على الارض، وأنهم يتصورون الشر في قلوبهم ويتهيأون له نهارا وليلا، فندم الرب أنه صنع الانسان على الارض وتأسف في قلبه فقال الرب: ((أمحو الانسان الذي خلقت عن وجه الارض، هو والبهائم والدواب وطيور السماء، لاني ندمت أني صنعتهم.)).

وفي نص رابع يتضمن نسبة الفاحشة إلى نبي الله لوط (عليه السلام)...

 ((وخاف لوط أن يسكن في صوغر، فصعد إلى الجبل وأقام بالمغارة هو وابنتاه. فقالت الكبرى للصغرى: ((شاخ أبونا وما في الارض رجل يتزوجنا على عادة أهل الارض كلهم. تعالي نسقي أبانا خمرا ونضاجعه ونقيم من أبينا نسلا)). فسقتا أباهما خمرا تلك الليلة وجاءت الكبرى وضاجعت أباها وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها.

وفي الغد قالت الكبرى للصغرى: ((ضاجعت البارحة أبي، فلنسقه خمرا الليلة أيضا، وضاجعيه أنت لنقيم من أبينا نسلا)). فسقتا أباهما خمرا تلك الليلة أيضا. وقامت الصغرى وضاجعته وهو لا يعلم بنيامها ولا قيامها. فحملت ابنتا لوط من أبيهما فولدت الكبرى ابنا وسمته موأب، وهو أبو المؤابيين إلى اليوم، والصغرى أيضا ولدت ابنا وسمته بن عمى، وهو أبو بني عمون إلى اليوم.التكوين/19

وزعموا أن المؤابيين هم سكنة شرقي البحر الميت وأن العمونيين سكنوا شرقي نهر الاردن على هضاب الاردن

وهناك شواهد أخرى كثيرة جدا على تحريف التوراة تتضح لمن راجعها، لا تسمح الفرصة باستعراضها.

2ـ الانجيل ((العهد الجديد))

أ) الشاهد التاريخي على التحريف

من المعروف ان هناك أربعة من الاناجيل التي تعتمدها الكنيسة اكتسب كل منها اسم الشخص الذي كتبه، وهي إنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، ويلاحظ أنها لم تكتب في زمن حضور المسيح (عليه السلام) ليوثقها، كما لم يحفظ لنا التاريخ شهادة منه (عليه السلام) بتزكية هؤلاء، خصوصا عندما نرى اعتراف هذه الاناجيل بأن الذي سلم المسيح إلى أعدائه اليهود ليقتلوه هو يهوذا أحد هؤلاء التلاميذ الذي كان ملازما له طيلة سنوات، فما الذي يعصم غيره من الكذب عليه؟ ومما يزيد الامر شكا وريبة أن كل هؤلاء التلاميذ الاثني عشر صدرت منهم مخالفات له في حياته في مواقف عادية لا تصدر من المؤمن العادي فضلا عمن يفترض أن يكون بمرتبة رسول. فلنلاحظ هذا النص...

 ((ثم جاء يسوع مع تلاميذه إلى موضع اسمه جتسماني، فقال لهم: ((اقعدوا هنا حتى أذهب وأصلي هناك)) وأخذ معه بطرس وابني زبدي، وبدأ يشعر بالحزن والكآبة، فقال لهم: ((نفسي حزينة حتى الموت، انتظروا هنا واسهروا معي)) وابتعد عنهم قليلا وارتمى على وجهه وصلى... ورجع إلى التلاميذ فوجدهم نياما، فقال لبطرس: ((أهكذا لا تقدرون أن تسهروا معي ساعة واحدة؟ اسهروا وصلوا لئلا تقعوا في التجربة. الروح راغبة، ولكن الجسد ضعيف)) وابتعد ثانية وصلى... ثم رجع فوجدهم نياما، لان النعاس اثقل جفونهم. فتركهم وعاد إلى الصلاة مرة ثالثة، فردد الكلام نفسه، ثم رجع إلى التلاميذ وقال لهم: ((أنيام بعد ومستريحون؟...)) متى/26

وفي نص آخر ما يؤكد تشاجرهم لاجل الرئاسة الدنيوية، ((ووقع بينهم جدال في من يكون أكبرهم)). لوقا/22 وفي نص ثالث ان بطرس أنكر المسيح ثلاث مرات في حياته رغم تعهده بالصمود... ((وقال لهم يسوع: ((في هذه الليلة ستتركوني كلكم...)) فقال بطرس: ((لو تركوك كلهم، فأنا لن أتركك)). فقال له يسوع: ((الحق أقول لك في هذه الليلة، قبل أن يصيح الديك، تنكرني ثلاث مرات)). فأجابه بطرس: ((لا أنكرك وإن كان على أن أموت معك)). وهكذا قال التلاميذ كلهم)).

وبعد أن يذكر الانجيل المرات الثلاث التي أنكر فيها بطرس المسيح وأن آخرها كانت قبيل صياح الديك يقول: ((فصاح الديك في الحال فتذكر بطرس قول يسوع: ((قبل أن يصيح الديك، تنكرني ثلاث مرات)) فخرج وبكى بكاء مرا. يراجع متى/26

وفي نص رابع ((وبينما يسوع يتكلم وصل يهوذا أحد التلاميذ الاثني عشر، على رأس عصابة كبيرة تحمل السيوف والعصي، أرسلها رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب... وقال يسوع للجموع: ((أعلى لص خرجتم بسيوف وعصي لتأخذوني؟ كنت كل يوم أجلس معكم في الهيكل اعلم فما اخذتموني. ولكن حدث هذا كله لتتم كتب الانبياء)) فتركه التلاميذ كلهم وهربوا)) متى/26.

والخلاصة أن التلاميذ الذين كان إيمانهم وصمودهم بهذا الوضع المضطرب كيف يمكن الاعتماد عليهم في رواية كتاب الله بعد فترة قد تمتد إلى عدة عقود من وفاة السيد المسيح (عليه السلام) ؟!

ب) الشاهد الداخلي على التحريف

إن من يراجع الاناجيل الاربعة الموجودة يجدها حافلة بشواهد التحريف من ضعف أسلوبها،وخرافة كثير من محتوياتها وانعدام المنطق في أدلتها، وسذاجة فصولها والاحداث التي تشير إليها، والاسوأ من ذلك كله نسبة الشرك والتجسيم والابوة لله تعالى، ففي إنجيل مرقس ((وبعد ما كلم الرب يسوع تلاميذه، رفع إلى السماء وجلس عن يمين الله)). مرقس/16

وفي نص آخر ((وقال لهم: كيف يقال ان المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير: قال الرب لربي: اجلس على يميني حتى أجعل أعداءك موطئا لقدميك، فداود نفسه يدعو المسيح ربا، فكيف يكون المسيح ابنه؟)) لوقا/20

وفي نص ثالث نلاحظ تناقضا في موقفه تجاه أحد تلاميذه (بطرس سمعان) فبينما هو يمنحه مقاما رفيعا وشامخا حيث يقول له...

((وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فما تربطه في الارض يكون مربوطا في السماء، وما تحله في الارض يكون محلولا في السماء)) فإذا به بعد قليل يعتبره شيطانا وعقبة في طريقه... فالتفت وقال لبطرس (سمعان) : ((ابتعد عني يا شيطان! أنت عقبة في طريقي، لان افكارك هذه أفكار البشر لا أفكار الله)) متى/16

وفي نص رابع في إنجيل لوقا (11/24ـ26) تحت عنوان عودة الروح النجس نقرأ مايلي: إذا خرج الروح النجس من انسان، هام في القفار يطلب الراحة، وعندما لا يجدها يقول: أرجع إلى بيتي الذي خرجتُ منه، فيرجع ويجده مكنوساً مرتباً، لكنّه يذهب ويجي بسبعة أرواح أشرّ منه، فتدخل وتسكن فيه، فتصير حال ذلك الانسان في آخرها أسوا من حاله في أولها... أترى هل من المعقول يكون هذا هو المنطق الالهي؟!!!

وأخيرا نقول:ان من راجع الاناجيل الاربعة يلاحظ أنها مجرد حكاية لجانب من سيرة يسوع ورحلاته ومعاجزه نقلها تلامذته واتباعهم، وبالتالي فهي ليست الكتاب الالهي الذي أنزله الله تعالى على عيسى (وأنزل التوراة والانجيل من قبل هدى للناس) 3/سورة آل عمران. وقد أكد يوحنا هذه الحقيقة في إنجيله حيث قال:

وهناك أمور كثيرة عملها يسوع، لو كتبها أحد بالتفصيل لضاق العالم كله على ما أظن، بالكتب التي تحتويها.يوحنا/21

وبهذا نكتفي في الجواب على هذه الشبهات تاركين تفاصيل أخرى إلى البحوث العقائدية المفصلة.

 

ثانياً: نماذج من تناقض الاناجيل

أشرنا قبل قليل إلى انعدام النسخة الموثقة للانجيل المنزل على عيسى (عليه السلام) وان هذه الاناجيل المزعومة عبارة عما كتبه تلامذته ـ بعد غيبة المسيح ـ وما اضيف إليها من جانب من سيرته وأقواله وبعض الاحداث في عصره، والملحوظ فيها ـ إلى جانب ضعف الاسلوب وتفاهة المضمون ومنافاته لحكم العقل ـ كثرة الاختلاف إلى حدّ المناقضة بين هذه الاناجيل. وفيما يلي نماذج من هذه التناقضات...

 

* * * * *

1ـ انجيل لوقا/ قيامة المسيح/24

وجئن عند فجر الاحد إلى القبر وهنّ يحملن الطيب الذي هيأنه فوجدن الحجر مدحرجاً عن القبر فدخلن فما وجدن جسد الرب يسوع... ورجعن من القبر وأخبرن التلاميذ الاحد عشر والاخرين كلهم بما حدث... وظن الرسل أنهنّ واهمات فما صدّقوهن ولكن بطرس قام واسرع إلى القبر، فلما انحنى رأى الاكفان وحدها فرجع.

انجيل مرقس/ قيامة يسوع/ 16

وفي صباح يوم الاحد عند طلوع الشمس جئن الى قبر... فرأين شاباً جالساً عن اليمين عليه ثوب ابيض فارتعبن فقال لهن «لا ترتعبن! أنتن تطلبن يسوع الناصري المصلوب. ما هو هنا بل قام. وهذا هو المكان الذي وضعوه فيه، فاذهبن وقلن لتلاميذه ولبطرس: هو يسبقكم إلى الجليل، وهناك ترونه كما قال لكم.

فخرجن من القبر هاربات من شدة الحيرة والفزع وما اخبرن أحداً بشي لانهن كنّ خائفات.

وبعد ما قام يسوع في صباح الاحد ظهر اولاً لمريم المجدلية التي اخرج منها سبعة شياطين، فذهبت واخبرت تلاميذه، وكانوا ينوحون ويبكون، فما صدّقوها عند ما سمعوا أنه حيّ وأنها رأته.

 

* * * * *

2ـ إنجيل لوقا / يسوع وبعلزبول

وكان يطرد شيطاناً أخرس، فلما خرج الشيطان تكلم الرجل، فتعجب الجموع...

من لا يكون معي فهو علي ومن لا يجمع معي فهو يبددّ.

إنجيل متى / يسوع وبعلزبول

وجاء بعض الناس الى يسوع برجل اعمى أخرس فيه شيطان فشفى يسوع الرجل حتى تكلم وابصر، فتعجب الجموع كلهم...

 (هذا المقطع غير موجود ويوجد بدله)

الحق أقول لكم: كل خطيئة وكل تجديف مهما كان يغفرهما الله للناس، وأما من جدّف على الروح القدس فلا مغفرة له ابداً،بل تبقى خطيئته أبدية وبهذا الكلام ردّ على الذين قالوا: «فيه روح نجس».

وفي إنجيل متى كلا المقطعين موجود مع اختلاف في الالفاظ عدا قوله: وبهذا الكلام...الخ.

 

* * * * *

3ـ انجيل متى/شفاء خادم الضابط/8

ودخل يسوع كفرتاحوم، فجاءه ضابط روماني وتوسل إليه بقوله:«يا سيد، خادمي طريح الفراش في البيت يتوجع كثيراً ولا يقدر أن يتحرك» فقال له يسوع: «اناذاهب لاشفيه» فاجاب الضابط: «انا لا استحق يا سيدي أن تدخل تحت سقف بيتي.

انجيل لوقا/شفاء خادم أحد الضباط/7

وبعد ما القى يسوع الاقوال في مسامع الناس، دخل كفرتاحوم، وكان لاحد الضباط خادم مريض أشرف على الموت وكان عزيزاً عليه، فلما سمع بيسوع، ارسل اليه بعض شيوخ اليهود يسأله أن يجي ليشفي خادمه فاقبلوا إلى يسوع، والحوا عليه في القول:«هذا الرجل يستحق أن تساعده،لانه يحب شعبنا، وهو الذي بنى لنا المجمع» فذهب يسوع معهم، ولما اقترب من البيت أرسل اليه الضابط بعض أصحابه يقول له: «يا سيد لا تزعج نفسك انا لا استحق ان تدخل تحت سقف بيتي.

 

* * * * *

 

4ـ انجيل متى/طرد الشياطين وغرق الخنازير/8

ولما وصل يسوع الى الشاطي المقابل في ناحية الجدريين استقبله رجلان خرجا من المقابر، وفيهما شياطين، وكانا شرسين جدّاً حتى لا يقدر أحد أن يمّر من تلك الطريق.

انجيل مرقس/طرد الارواح النجسة وغرق الخنازير/5

ووصلوا إلى الشاطي الاخر من بحر الجليل في ناحية الجراسيين ولما نزل من القارب استقبله رجل خرج من المقابر وفيه روح نجس وكان يقيم هناك ولا يقدر احد أن يربطه حتى بسلسلة فكثيرا ما ربطوه بالقيود والسلاسل فكان يقطع السلاسل ويكسّر القيود ولا يقوى أحد على ضبطه وكان طوال الليل والنهار في المقابر والجبال يصرخ ويجرّح جسده بالحجارة.

* * * * *

 

هذه مجرد نماذج بسيطة للتناقض بين الاناجيل وهناك موارد اخرى كثيرة يلاحظها المتتبع، بالاضافة الى الاختلاف الكبير جدّاً فيما بينها خصوصاً بالنسبة لانجيل يوحناحيث ان القسم الاعظم منه يختلف عما في باقي الاناجيل، هذا بالاضافة الى السطحية والخرافات والاباطيل التي تطفح بها هذه الاناجيل وكل ذلك يؤكد عدم ارتباطها بالوحي الالهي.

وقد اعترف كثير من الباحثين الغربيين بهذه الحقيقة فمثلاً يقول الدكتور مورسيس يوكاي «ان قراءة كاملة للاناجيل يمكنها أن تشوش المسيحيين بصورة هائلة» اذ بعد دراسته للعهد الجديد وجد ان التناقضات وعدم التجانس «تجتمع على حقيقة أن الاناجيل تحتوي على فصول ومقاطع ما هي الاّ الانتاج الوحيد للخيال البشري» وكذلك يقول الدكتور كينث كراج «ان الاناجيل جاءت من خلال فكر الكنيسة وآراء المؤلفين»...وكذلك الدكتور جراهام سكروجي الذي يقول:

«نعم ان الكتاب المقدس بشري، هذه الكتب قد مرّت عبر عقول الناس، وهي مكتوبة بلغة الناس وخطت باقلام الناس وايديهم تحمل في أساليبها خصائص البشر»(1)

والغريب ان المبشرين والمؤسسات التبشيرية المسيحية التي تندفع بكل ثقلها وامكانياتها لتشكيك المسلمين بالقرآن الكريم تغفل تماماً هذه الملاحظات على كتب العهدين مع وضوحها ووجود الفارق الشاسع مضموناً واسلوباً بين القرآن الكريم وكتب العهدين.

وقد جاء هذا الجهد اليسير كخطوة لا يضاح وتثبيت جانب من الحقيقة ـ التي ضاعت على كثيرين (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) والله المسدد للصواب.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

رياض الحكيم

الحوزة العلمية

5/11/1420هـ

 

ـــــــــــــ

([1]) هبة السماء (رحلتي من المسيحية الى الاسلام) وقد نقل النصوص عن كتاب (نظرة عن قرب في المسيحية) بقلم الكاتبة الامريكية باربارا براون ـ ترجمة المهندس مناف حسين الياسري ـ (شركة التوحيد للنشر ـ 1995م).